المصدر الاخبارية
شبكة المصدر الاخبارية

«لحظات انتحارية»: الثورة كخلفية لأزماتنا الشخصية

213

«مش مهم أصلًا أنا عاوزاكي تعملي إيه، ولا طنط منى كانت عاوزاكي تعملي إيه، ولا خالتك كانت عاوزاكى تعملي إيه. إنتي عاوزة تعملي ايه؟»، هكذا قالت سلمى (سلمى الطرزي) لصديقتها مروة (دنيا ماهر) في فيلم المخرجة إيمان النجار «لحظات انتحارية»، أثناء مشاجرة دارت بينهما، في محاولة من سلمى لفهم أسباب إصرار مروة على الرحيل من البلاد، وهي الخطة التي اضطرت لتأجيلها بعد وفاة أمها المفاجئة.

مروة فتاة في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات، تستعد للهجرة لأستراليا مع زوجها الذي سبقها إلى هناك بالفعل. يبدأ الفيلم بحماس مروة الواضح وهي تعد حقائبها وترتب للسفر، ولكن عندما تذهب لتودع أمها لا تجد سوى جسد رحلت عنه الحياة. تستعين مروة بخالتها (ياسمين النجار) وخادمة والدتها، رانيا (سلمى سامي) لتنتهي من تفاصيل الموت المزعجة، بدايةً من الدفن حتى إخلاء الشقة، كي تتمكن من السفر في موعدها، ولكن ما أن تبدأ في اكتشاف أسرار والدتها تدريجيًا حتى ترى من خلالها جانبًا في أمها لم تره من قبل.

أصوات الرصاص والهتافات والخبط على المتاريس، تجعل الأحداث حاضرة دائمًا، ولكنها تبقى في الخلفية معظم الوقت

لم تكن وفاة الأم السبب الوحيد الذي جعل مروة تعيد التفكير في قرار السفر، فحكاية مروة بدأت تتكشف في ظل أحداث أضخم، حيث كان المتظاهرون خلال أحداث الـ«18 يوم» يتجمعون تحت منزل والدة مروة في وسط البلد، ما جعلنا نتابع هذه الأحداث من خلال عيونها، بدايةً من مسيرات 25 يناير (التي مرت مروة بجانبها في بداية الفيلم وهي ذاهبة لتودع والدتها)، مرورًا بالاشتباكات الدموية التي وقعت يوم 28 يناير وموقعة الجمل، ونهايةً بالهدوء النسبي الذي ساد الميدان بعد ذلك.

اللافت في «لحظات انتحارية»، هو كيف وُضعت محنة مروة في مواجهة مع الثورة، فرغم وجودها في قلب الحدث، في شقة والدتها المطلة على ميدان التحرير، إلا أنها في الحقيقة تعيش على هامش الأحداث، حيث قليلًا ما تغادر المبنى، فهي خائفة ومترددة أكثر من اللازم. وأصوات الرصاص والهتافات والخبط على المتاريس، تجعل الأحداث حاضرة دائمًا في وعي المشاهد، إلا أنها تبقى في الخلفية معظم الوقت. في بعض الأحيان تنظر مروة بتوتر من شرفتها إلى ما يحدث في الشارع، فنرى لقطات أرشيفية من الأيام الأولى للثورة. هذا التحرك بين الواقع والخيال يجري بشكل مقنع وسلس، كما أنه اختيار مناسب، حيث مروة دائمًا ما تشاهد الأحداث عن بُعد ولا تتفاعل معها بالكامل، وبالتالي فهي ليست أحداثها، ولذلك فمن المنطقي أن تقدَّم بصورة مختلفة عن باقي الفيلم.

إذا كان هناك لحظة يتجلى فيها السؤال الجوهري للفيلم في «لحظات انتحارية»، فأعتقد أنها تتمثل في مشهد الحوار بين الصديقتين في منتصف الفيلم

تتعامل مروة مع المظاهرات مثلما تتعامل مع أي شيء آخر في حياتها، فهي ليست مشاركة ناشطة وإنما سلبية؛ رفضت الذهاب إلى جنازة والدتها ولم تكن تعرف حتى أن والدتها مريضة وميؤوس من شفائها، كما أنها دائمًا ما تشاهد من النافذة جارها سامي (زكي فطين)، وهو رجل غريب الأطوار في منتصف العمر يؤجر جزءًا من الشقة، ولكنها لا تستطيع استجماع شجاعتها لتطلب منه مغادرة الشقة كي تبيعها، وعندما تتهمها سلمى بالجبن، تُدافع مروة عن نفسها قائلة إنها ستترك خلفها كل المألوف لتبدأ حياة جديدة في مكان لا تعرف عنه شيئًا، ولكن سلمى تصر على أن هذا في الحقيقة يدل على جبن مروة وهروبها من حياتها، بدلًا من البقاء والقتال من أجل الحياة التي تريدها.

بوستر الفيلم

إذا كان هناك لحظة يتجلى فيها السؤال الجوهري للفيلم في «لحظات انتحارية»، فأعتقد أنها تتمثل في مشهد الحوار بين الصديقتين في منتصف الفيلم. هذا المشهد يقود السردية لنقطة مراجعة واضحة، في دعوة للتعمق في أسئلة مثل: ماذا تريد مروة؟ وإذا كانت مُصرة فعلًا على الرحيل، فماذا تفعل في القاهرة حتى الآن؟ وكيف يرتبط ما عرفته عن أمها بمخاوفها؟ وكيف لها أن تخلق هوية وحياة مستقلتين لنفسها، في ظل هذا الظرف العائلي الثقيل والفوضوي؟

مع ذلك، فشلت إيمان النجار في متابعة ما بدأته، وفي التعمق بشكل جاد للإجابة على هذه الأسئلة، فبدلًا من استكشاف ملامح الشخصية الرئيسية ودوافعها، يجيب الفيلم على أسئلة أكثر ثانوية وأقل صعوبة وتحديًا؛ ربما أردنا أن نعرف لماذا تركت والدة مروة رسالة تطلب فيها أن تُدفن بجوار طليقها؟ أو ما الذي سيفتحه المفتاح الصغير الذي تركته مع رسالتها؟ لكن الأهم من ذلك، كان أن يعرض الفيلم انعكاس هذه الإجابات على مروة، وكيف تلعب دورًا في أزمتها، وهو ما لم يستطع الفيلم تحقيقه، كما أن أداء دنيا ماهر متفاوت المستوى والمفتقد للسلاسة لم يسهّل المهمة.

نرى مروة تتحرك في أنحاء الشقة، من خلال كادرات واسعة تقزّمها قياسًا بمحيطها، ما يسلط الضوء على ضعفها المحسوس. كما أنها في بعض المشاهد تترك الغرفة ولا تتابعها الكاميرا، فنسمعها فقط أو لا نرى سوى ظلها

ما نجح الفيلم في القيام به، كان إعطاء المشاهد إحساسًا قويًا بالمكان والمساحة، فشقة الأم، بالإضافة إلى الجناح الذي يعيش فيه سامي، الذي يرتدي ملابسه داخل البانيو ويلتف بالبطانيات ويحل السودوكو، تفيض بالروح الساحرة والمخيفة أحيانًا لشقق وسط البلد ذات الأسقف العالية؛ نتعرف ببطء على كل غرف الشقة، بدايةً بالمدخل الطويل ذي الأرضية الخشبية، إلى الصالة المرتبة التي تغمرها بشكل دائم إضاءة صفراء غير مبررة، وغرفة النوم المختارة بعناية. نرى مروة تتحرك في أنحاء الشقة، من خلال كادرات واسعة تقزّمها قياسًا بمحيطها، ما يسلط الضوء على ضعفها المحسوس. كما أنها في بعض المشاهد تترك الغرفة ولا تتابعها الكاميرا، فنسمعها فقط أو لا نرى سوى ظلها، كما لو كانت المساحة الفارغة أهم من مروة نفسها، وكأن الشقة بمحتوياتها، مع ثقل حياة والدتها وذكرياتها، تغلب على مروة وتعيق قدرتها على تخطي الموقف.

وبينما الشقة مزدحمة بالمقتنيات البارزة، كالأثاث العتيق وبطانيات الكروشيه الملونة وبلاط المطبخ الأخضر والبرتقالي، غير أن هذه الأشياء قليلًا ما تلعب دورًا في سياق القصة، إلا مثلًا في حالة المراوح التي تدور طوال الوقت، والمغطاة بشيلان تتراقص مع الهواء. وفي حين أن أحداث الفيلم تدور في الشتاء، إلا أن مروة تحاول تغطية رائحة جثة أمها، حيث قررت خالتها تغيير مدفن الأم، كما طلبت منها قبل وفاتها، ولكن بسبب المظاهرات تعرقلت عملية النقل، فانتهى الحال بالجثمان في المنزل مرة أخرى. ويثير وجود المراوح اندهاش كل من يدخل المنزل، حتى أن سامي قال يومًا بسذاجة بعد استفساره عن وجود المروحة: «ريحتها لسه في البيت».

تفيض شقة الأم بالروح الساحرة والمخيفة أحيانًا لشقق وسط البلد ذات الأسقف العالية

يخلو الفصل الثالث من الفيلم من السببية تمامًا، ما يوضح مشكلة السيناريو، وغالبًا المونتاج، اللذين قامت بهما إيمان النجار، فالطاقة التي بنتها المشاجرة بين مروة وسلمى تفقد قوتها بسبب التطورات التالية، ولا تؤدي محاولتنا لمتابعة الخيوط التي بدأتها المشاجرة لشيء، وحتى رسم الشخصيات الواعدة لا يحقق إمكانياتها، خصوصًا التضاد المسلي بين مروة غير الحازمة والخالة المتسلطة حادة اللسان.

مع فقدان المقصد، تصبح خصوصيات الفيلم وجاذبيته البصرية بلا معنى، وكأن القصة موجودة لخدمة هذه الأشياء لا العكس

في كل الكتابات الجيدة توجد قصة وراء القصة، وتكون هي الأهم، وهذه هي سقطة «لحظات انتحارية»، ففي حين أن التساؤلات السطحية تُحلّ بشكل عادي وغير مكتمل، لا يجري تقريبًا التطرق للقضايا الأعمق. ومع فقدان المقصد، تصبح خصوصيات الفيلم وجاذبيته البصرية بلا معنى، وكأن القصة موجودة لخدمة هذه الأشياء لا العكس، كما لو كان المشروع يقوم بأكمله حول الرغبة في الانغماس في حنين أنثوي وجماليات عصرية رائجة.

شاهدتُ دنيا ماهر للمرة الأولى وهي تلعب دور سعاد، بطلة فيلم هالة لطفي «الخروج للنهار» (2013)، وهو أيضًا فيلم مصري مستقل يعرض جانبًا مختلفًا من علاقة الأم بابنتها. ولكن على عكس «لحظات انتحارية»، الذي ترتدي فيه مروة ملابس ملونة ومبهجة، كانت سعاد في فيلم لطفي بسيطة وشاحبة، مثقلة بشقاء حياتها. كان هناك وجود أقوى للموت في فيلم لطفي أيضًا، متمثلًا في الأب المريض الذي ترعاه سعاد مع والدتها، كما أن الشقة التي يدور فيها النصف الأول من الفيلم، تميزت بالتقشف واللعب بالضوء والظل داخل غرفها.

رغم أن «الخروج للنهار» أقل تفاعلًا وأصعب في المتابعة، لكنه بلا شك الفيلم الأفضل، فهو عمل تحركه المشاعر وينجح في بثِّ شعور معين من خلال الآليات السينمائية المتاحة، ورغم عيوبه يستحق المساحة التي يحتلها على الساحة.

في الوقت ذاته يحاول «لحظات انتحارية» سرد قصة تبدأ في مكان ما وتنتهي في آخر، ولكن الآليات المستخدمة لا تدفع الفيلم لهذه النقطة، بل تُبعثر عناصره المختلفة وتشتتها. صحيح أن الفيلم يبدو مختلفًا فعلًا عن معظم الإنتاجات السائدة، ولكن سيصبح إشكاليًا، بل ومُحبطًا، إذا كان هذا هو كل ما يمكن توقعه مما ندعي أنه موجة جديدة وطازجة من «السينما البديلة».

عُرض فيلم «لحظات انتحارية» ضمن فعاليات مهرجان «أيام القاهرة السينمائية» بسينما زاوية

ترجمة: مريم أبو غازي

Powered by WPeMatico

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل ....