المصدر الاخبارية
شبكة المصدر الاخبارية

غزة غزة والحياة بلا كهرباء وبلا أمل في الحياة.. شهادات حية من رحم المعاناة

5

كتب:سيمار عبد القادر

فيما يعاني سكان قطاع غزة من أزمة إنسانية خانقة بسبب الحصار وغياب الأفق السياسي وزاد من تقاقمها شح الكهرباء، نشرت صحيفة هاآرتس شهادتين عن الظروف الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة,

وقد تم تسليط الضوء على ما يعانيه القطاع الواقع بين مطرقة الاحتلال وسندان الخلافات السياسية الفلسطينية ليجد أهل غزة أنفسهم رهينة الحسابات الخارجية والتجاذبات الداخلية وسلطت الضوء على انقطاع التيار الكهربائي.

إن مأساة غزة مع الكهرباء ليست وليدة الساعة فقد عانى القطاع من شح في الطاقة طيلة سنوات عديدة، لكن ما زاد في تفاقم الأمور هو استعمال هذه الخدمة الحيوية كسلاح في المواجهة والتناحر السياسي بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس.

فقد طلب رئيس السلطة محمود عباس من إسرائيل ان تقلل من كمية الطاقة الكهربائية التي تزود بها القطاع والهدف معروف وهو الضغط على حركة حماس حتى تتخلى عن إدارة قطاع غزة.

هل جرب أحدكم أن يعيش بأربع ساعات فقط من الكهرباء يوميا ؟

الشهادة الأولى التي نشرتها الصحيفة هي لأحد سكان دير البلح يدعى محمد عزايزة روى فيها كيف يعيشون الناس في ظل انقطاع الكهرباء. ويقول محمد إنه لا يمكنه أن يملأ الثلاجة يما يحتاجه بسبب انقطاع الكهرباء وبالتالي فهو يشتري حاجياته يوما بيوم.

وبسبب انقطاع التيار الكهربائي، تحدث محمد عن سلامة أطفاله داخل منزله خصوصا في الشتاء حيث لا يعرف كيف سيحصل على وسيلة للتدفئة.

أما المشكلة الكبرى فتتمثل حسب ما قال، في المياه الصالحة للشرب لأن البئر التي يتزود بها بالمياه ليست تحت إشراف رسمي ومختص ما يجعل تلك المياه مصدر قلق له بالظر لما تشكله من خطر على صحته وصحة أطفاله.

وليل غزة قاتم كمستقبلها. فلا توجد اية إنارة في الشوارع. ولا تخترق الظلام الدامس إلا أصوات المولدات الصغيرة التي أصبحت خشبة الخلاص الوحيدة التي يتعلق بها سكان القطاع للتزود ببعض الكهرباء.

بقول أحمد إن ملامح مدينتي قد تغيرت منذ أن حرمتها السياسة والاحتلال من الكهرباء حيث لا تجد أحدا يمشي في الشارع كما كانوا في السابق. 

عائلتي في غزة تقول لي: نحن في غزة لا نستطيع أن نتنفس بسبب الحرّ وانقطاع الكهرباء

“مجرّد المحاولة في النوم في هذا الحر الخانق أصبحت لا تعني شيئا لأهل غزة. ومثلما قطعوا الأمل في إغماض عيونهم فإن أملهم في العيش بمنأى عن الغارات وأصوات المدافع وأزيز الطائرات تلاشى أيضا. وهم يشعرون أن الأمر مسألة وقت فقط. فالحرب على الأبواب. ويقول أحدهم إنني أشعر أنني سأموت حتى قبل أن أعرف ما هي الحياة وكيف أعيش”.

هذا مختصر الشهادة الثانية التي نشرتها هاآرتس. وهي لشاب فلسطيني من غزة يدعى محمد شحادة عمل سابقا في المكتب الإعلامي للمرصد الأوروبي المتوسطي لحقوق الإنسان وهو الآن مقيم في السويد حيث يدرس بجامعة لوند.

يقول الفلسطيني الذي حالفه الحظ وخرج من أكبر سجن على الكرة الأرضية، إنه سأل عائلته السؤال التالي: كيف تنامون في الليل والكهرباء مقطوعة؟ درجة الحرارة في غزة ليلا لا تقل عن الأربع وعشرين درجة مئوية مع نسبة رطوبة كبيرة.

فردّت شقيقته التي لا يتجاوز سنها 12 عاما: “نحن لا ننام”.

وشرحت الصغيرة كيف أنهم حتى وإن حاولوا النوم بعد فتح النوافذ وشرب كميات كبيرة من الماء فإنهم لا يستطيعون التنفس.

وإن حدث وتمدّدوا، فإنهم يغرقون في عرقهم فيما يخترق أسماعَهم أزيزُ الطائرات الإسرائيلية التي تحلّق فوق منازلهم. وما لهم من ملاذ.

وتضيف الصغيرة أنهم يفضلون البقاء مستيقظين حتى يغلب جفونَهم النعاس وحتى وإن حدث، فإنهم يقعون فريسة الأرق والكوابيس، فيقومون من فراشهم ليجدوا أنفسهم غارقين في بحر من العرق المتصبّب من أجسادهم.

أين المفر ؟
وللصباح حكاية أخرى. فلهيب الشمس المستعرة لا يترك لهم هامشا كبيرا من المناورة. ليبقى كابيتال مول هو ملاذهم لأنه مركز التسوق الوحيد في غزة الذي يتوفر على خدمة الانترنت والتكييف وعلى مكان للجلوس والفضل في هذا يعود للمولّدات الكهربائية الخاصة.

أما الخيار الثاني فهو الذهاب لزيارة أحد الأقارب ممّن منّت عليه السماء ببطارية كبيرة لتشغيل مروحة صغيرة ترطّب الأجواء بينما يتجاذب الضيوف وأهل البيت أطراف الحديث.

إن سكان غزة يقول محمد، لا يستطيعون الذهاب إلى البحر والجلوس على الشاطئ خوفا من الإصابة بأمراض تسببها مياه البحر الملوثة رغم أن البعض لم يعد يأْبه بهذا الخطر.

و يقول أحد الغزيين: “إن البحر ملوث بنسبة 99%، فما لنا إلا نسبة ال1% الباقية لنسبح فيها”.

وحين تأتي الكهرباء فجأة لساعتين أو ثلاث ساعات على الأكثر كل يوم فإنه سيكون الوقت الوحيد الذي يمكن فيه لأهل غزة أن يشغّلوا المضخات لتخزين القليل من المياه غير الصالحة للشرب في خزّانات سرعان ما تجفّ بمجرّد ما يغامر المرء بالاستحمام.

إن فترة عودة الكهرباء تشبه ساعة الذروة بحسب محمد شحادة، حيث تجد الجميع يركض في الشارع هذا يسارع لتبريد قنينة ماء معدنية، وذاك لشحن بطاريات هاتفه المحمول وجهاز الراديو والمصابيح الكهربائية وآخرون يجلسون خلف شاشة الكمبيوتر لمتابعة الأخبار ذات العناوين المتكرّرة والجوفاء.

وبمجرّد ما ينقطع التيارالكهربائي عن البيوت، يعود الناس إلى الشوارع يلتمسون بعض الفيء على رصيف من الأرصفة.

ويتابع محمد قائلا: “ إن الأيام كلها تتشابه لدى أغلب أصدقائي في غزة.

فجُلُّ الشباب عاطل عن العمل بسبب الحصار الذي قتل الاقتصاد. حيث أصبحت أولى أيام الأسبوع كنهايته.

الفرق الوحيد هو كمية الغضب المتراكم في داخلك والذي يذكّرك دائما بأنك لم تعش وبأن الأمل في أن تعيش مستقبلا يكاد يكون معدوما”.

ويتابع الشاب الفلسطيني: “كدأْبِها كل سنة، تجد غزة نفسها أمام جحافل من المتخرجين الجدد يقفون على أعتاب سوق عمالة ميّت دون أي أفق ودون أمل في أن يجدوا سبيلا للعيش بكرامة.

ولكلمة “منحة دراسية” وقْعُ السحر على شباب غزة لأنها بمثابة تذكرة تنقلهم إلى عالم الحرية.

لكن حتى القلة القليلة التي يكتب لها أن تحصل عليها فإنها تجد نفسها حبيسة المكان بسبب المعابر المقفلة أكثر أيام السنة فيلتحق هؤلاء الشباب بمن سبقهم على قائمة الانتظار والمقدر عددهم بعشرات الآلاف من الشباب الطامع في الخروج من سجن غزة الكبير إلى الفضاء الواسع”.

ونتيجة لهذا الوضع المزري بحسب شحادة، فقد هجر الحماس وحبُّ الحياة شبابَ غزة. وأصبحوا فريسة التشاؤم والاكتئاب. ولا حديث لهم إلا عن الحرب القادمة وإرهاصاتها.

لا فرق بين السلطة وحماس.. الأمر سيّان
ويتحدث الشاب الفلسطيني عن كمية الغضب الجاثم على صدور أهل القطاع.

حيث يبلغ التوتر مداه بشكل يجعل كل شيء وكأنه قنبلة موقوفة ليصبح الأمل الوحيد هو في توقيت هذا الانفجار.

لكن عدم الرضى عن سياسات السلطة الفلسطينية وحركة حماس التي تدير القطاع لا يجد له متنفّسا.

فالقطاع الخاص لا وجود له في غزة أو يكاد. وليس أمام الناس من خيار إلا العمل لدى السلطة أو لدى حماس أو تتجرع مرارة العيش على الإعانات وذلّ السؤال.

ومع ضآلة الموارد وثقل المسؤولية، فلن يستطيع المرء أن يغامر ويفتح فمه للتعبير عما يجول في نفسه وعن الأشياء التي تغضبه بحسب شحادة.

فمن جهة، عجز موظفو السلطة الفلسطينية في قطاع غزة عن الاحتجاج ضد حكومة الرئيس محمود عباس مخافة ان يقطع عنهم الأجور الضئيلة التي تبقيهم على قيد الحياة.

ومن جهة أخرى، فإن حماس تجرّم كل صوت ينتقدها وتتهمه بالعمالة لصالح “أجهزة مخابرات رام الله”.

وبالتالي فإن كل مظاهرة لا تنظمها حماس فإن الحركة تعتبرها مناهضة لها.

ويتابع الشاب الفلسطيني بأنه رغم الصعوبات والمآسي التي تعيشها غزة فإن اشتياقه وحنينه يحكمانه.

إنه يشتاق لأهله وأصدقائه وحتى لمصاعب الحياة هناك. ويقول إنه اتصل يوما بصديق له هو قريب لعائلة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية.

وبعد حديث طويل قال شحادة لصديقه ذاك: “يا صيقي أعتقد انني أخطأت حين غادرت غزة، أليس من الأفضل لي أن أعود؟”

ويتابع شحادة بقوله: “ هنا تغيرت نبرة صديقي وقال لي لا أحد يعرف إلى أين تتجه غزة الآن. تارة يقولون إن دحلان “سيضبط” الأمور وتارة يقولون: لا مجال”.

ويقول شحادة بأنه تذكر في تلك اللحظة رسالة من صديق آخر له في سن الثالثة والثلاثين. صديقه هذا عاطل عن العمل، رغم مشوار أكاديمي لامع.

لكن ذنبه الوحيد أنه تخرج في نفس السنة التي فُرض فيها الحصار على غزة ليصبح مجرد رقم في سلسلة العاطلين عن العمل في غزة والبالغ عددهم ربع مليون شخص.

في تلك الرسالة يقول محمد شحادة، كانت كلمات صديقي تعكس نفسيته المدمرة. كان يقول لا أمل لقد تأخر الوقت وكل شيء مات.

ويضيف صديق شحادة في رسالته: “ إن الحرب قادمة وأنا بدأت أومن أنني سأموت حتى قبل أن أعرف ما هي الحياة. لم أفعل شيئا في حياتي. أصبح أملي الوحيد أن أخرج من هذا السجن لكن هل يمكنني ذلك؟”.

ويضيف شحادة: “بعد ان شرد فكري لوهلة في تلك الرسالة، أعادني صديقي الذي كنت أُهاتفه إلى الواقع، وسمعته يقول لي:

“هل تذكر كيف كانت الأمور لا تُحتمل ولا تُطاق قبل أن تغادر غزة؟

هي لا تُقارن بشيء بالنظر لما نعيشه الآن. نحن نعيش في سوء مطلق”.

ويتابع صديق شحادة: “ أقسم بالله، إذا فتحوا معبر رفح غدا فإن الجميع سيغادر القطاع.. وسيكون عناصر حماس أول من يرحل”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل ....